يومان · من بغداد إلى نينوى

على خطىالإمبراطورية الآشورية

رحلة تبدأ من بغداد فجراً وتصعد مع دجلة إلى قلعة آشور، ثم إلى مدينة الحضر الصحراوية التي هزمت روما مرّتين، وتبيت في الموصل، لتختم في النمرود عاصمة الثيران المجنّحة.

احجز الرحلة
٤٥٠٬٠٠٠ – ٦٥٠٬٠٠٠ د.ع لثلاثة أشخاص · حسب باقة الفندق
المدةيومان · ليلة واحدة
المجموعةحتى ٣ أشخاص · رحلة خاصة
المبيتفندق رامادا — الموصل
اللغاتعربي · إنكليزي · روسي
اليوم الأول

بغداد ← آشور ← الحضر ← الموصل

انطلاق مبكر من بغداد، ومحطتان تختصران ألفي عام من تاريخ بلاد الرافدين، ثم مبيت في الموصل.

01

قلعة آشور

الشرقاط · تراث عالمي لليونسكو

تبدأ رحلتنا من قلب بغداد عند الفجر، حين يكون الطريق الشماليّ ما يزال هادئاً، فنتّجه صعوداً بمحاذاة نهر دجلة نحو محافظة نينوى. المحطة الأولى في هذا المسار ليست مجرّد أطلالٍ متناثرة، بل هي المدينة التي وُلدت منها الإمبراطورية الآشورية بأكملها: آشور، أو كما تُعرف اليوم باسم قلعة الشرقاط، الجاثمة على نتوءٍ صخريّ يطلّ على الضفّة الغربية من دجلة. من هذه البقعة تحديداً انطلقت واحدة من أعظم قوى العالم القديم، وإليها ظلّ الآشوريون ينسبون هويتهم الروحية حتى بعد أن نقلوا عواصمهم السياسية شمالاً. الطريق من بغداد إلى الموقع يستغرق ساعاتٍ نعبر خلالها سهول العراق الوسطى المفتوحة، ونشاهد كيف يتبدّل المشهد تدريجياً من خضرة الزراعة النهرية إلى صرامة الأرض الجافّة التي احتضنت أقدم الحضارات.

الاسم نفسه يحمل مفتاح المدينة: فآشور ليست اسم مكانٍ فحسب، بل اسم الإله الأعظم في البانثيون الآشوري، والإله الذي حمل شعبه اسمه، وحمل هو اسم مدينته. هذا التماهي الثلاثيّ بين الإله والمدينة والأمة هو ما يجعل آشور فريدةً بين مدن بلاد الرافدين؛ فبينما كانت بابل مدينة مردوخ وأور مدينة إله القمر «نانّا»، كانت آشور المكان الذي يسكنه الإله القوميّ ذاته، وكان معبده الكبير هو المركز الذي تدور حوله شرعية كلّ ملكٍ آشوريّ. لم يكن الملك في نظر الآشوريين سوى «نائبٍ» للإله آشور على الأرض، يحكم باسمه ويقود جيوشه ويبني معابده.

لماذا هنا؟ الموقع والجغرافيا

حين تقف على حافّة النتوء الصخريّ وتنظر إلى دجلة يلتفّ تحتك، تدرك سرّ اختيار المكان. فالمدينة محميّةٌ من ثلاث جهاتٍ بالنهر والمنحدرات، ما جعلها حصناً طبيعياً يصعب اقتحامه. كما أنّها تقع عند نقطةٍ استراتيجية على طريق التجارة الذي يربط جنوب الرافدين بالأناضول وبلاد الشام. هذا المزيج بين الحماية الطبيعية والموقع التجاريّ منح آشور مقوّمات النشوء والبقاء آلاف السنين، فظلّت مأهولةً على نحوٍ متّصلٍ تقريباً من الألف الثالث قبل الميلاد حتى العصور الإسلامية المبكرة.

من محطّة تجارية إلى عاصمة إمبراطورية

يعود استيطان آشور إلى الألف الثالث قبل الميلاد على أقلّ تقدير، وربما أبعد. في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، فيما يسمّيه المؤرخون «العصر الآشوري القديم»، لم تكن آشور مملكةً محاربة بعد، بل مدينة-دولةٍ تجارية بارعة. كان تجّارها يقودون قوافل الحمير المحمّلة بالقصدير والأقمشة عبر مئات الكيلومترات إلى هضبة الأناضول، حيث أسّسوا مستعمراتٍ تجارية أشهرها «كارُم كانيش» قرب كولتبه في تركيا الحالية. ومن هذه المستعمرة تحديداً وصلنا آلاف الألواح الطينية المكتوبة بالخطّ المسماريّ، وهي تكشف بتفصيلٍ مذهل حياة عائلاتٍ تجارية بأكملها: عقود شراكة، ورسائل زوجاتٍ إلى أزواجهنّ الغائبين، ونزاعات على الديون، وحسابات أرباح وخسائر. بفضل هذه الألواح، تُعدّ آشور من أفضل مدن العالم القديم توثيقاً لحياتها الاقتصادية اليومية، بل إنّ بعض الباحثين يعتبرها نموذجاً مبكراً على «رأسمالية القوافل» المنظّمة.

مع تعاقب القرون، تحوّلت المدينة التجارية إلى نواةٍ عسكرية. برز ملوكٌ عظام مثل «شمشي-أدد الأول» الذي وحّد شمال بلاد الرافدين تحت رايته، ثم جاء عصر الاضطراب حين خضعت آشور لفتراتٍ لنفوذ مملكة ميتاني والحيثيين. لكنّ نقطة التحوّل الكبرى كانت مع «آشور-أوباليط الأول» في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، الذي أعلن آشور مملكةً مستقلّةً ذات وزنٍ دوليّ، وراسل فراعنة مصر في «رسائل تل العمارنة» ندّاً لندّ، مطالباً بالذهب والاعتراف بمكانته. من تلك اللحظة بدأت آشور رحلتها الطويلة لتصبح الإمبراطورية التي ستحكم لاحقاً مساحاتٍ تمتدّ من ضفاف النيل إلى جبال إيران.

ثيولوجيا الإله آشور وعيد رأس السنة

كان الدين في آشور شأناً سياسياً بامتياز. فالإله آشور لم يكن مجرّد ربٍّ للمدينة، بل تجسيداً للدولة نفسها ولمصيرها. ومن أهمّ الطقوس التي مارسها الآشوريون «عيد الأكيتو» أو عيد رأس السنة، حين كان تمثال الإله يخرج في موكبٍ مهيب من معبده إلى «بيت الأكيتو» خارج المدينة، في احتفالٍ يجدّد شرعية الملك وينعش رباط الأمة بإلهها. في هذه المناسبات كانت المدينة تكتظّ بالوفود والقرابين، وتُتلى الأناشيد والأساطير التي تروي انتصار النظام الكونيّ على الفوضى. هذا البُعد الطقسيّ يفسّر لماذا ظلّت آشور «المدينة المقدّسة» حتى بعد أن غادرها الملوك، ولماذا حرصوا على العودة إليها في المناسبات الكبرى وعند الدفن.

ملوكٌ بنّاؤون وآلهةٌ من حجر

لم يكن الملوك الآشوريون محاربين فقط، بل بنّائين مهووسين بتخليد أسمائهم في الحجر واللبِن. فالملك «توكولتي-نينورتا الأول» في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، بعد أن سحق بابل وحمل تمثال مردوخ إلى الشمال، شيّد مدينةً جديدة قبالة آشور. أما «تغلث-فلاسر الأول» فوسّع حدود الدولة شمالاً وغرباً، وأعاد بناء المعابد، وسجّل حولياته بلغةٍ فخمة تصف حملاته وصيده للأسود والفيلة. وحين تصل إلى موقع آشور اليوم، فإنّك تمشي فوق طبقاتٍ متراكمة من هذه المشاريع، كلّ طبقةٍ تمثّل ملكاً حاول أن يترك أثره فوق أثر سابقيه، حتى صارت المدينة أشبه بكتابٍ حجريّ تُقرأ صفحاته من الأعمق إلى الأحدث.

من أبرز ما تبقّى في الموقع الزقورة الضخمة المخصّصة للإله آشور، وهي البرج المدرّج الذي كان يرتفع كجبلٍ صناعيّ ليصل الأرض بالسماء. وإلى جوارها بقايا معبد آنو-أدد بزقورتيه المزدوجتين المكرّستين لإله السماء «آنو» وإله العاصفة «أدد». وهناك أيضاً معبد عشتار، ربّة الحبّ والحرب، وهو من أقدم معابد المدينة، أعاد الملوك بناءه مراراً على مدى قرون، حتى إنّ التنقيب فيه كشف طبقات معابد متتالية بعضها فوق بعض، تقدّم للباحثين تسلسلاً نادراً لتطوّر العمارة الدينية عبر أكثر من ألف عام.

وفي أرض المدينة أيضاً تقع المقابر الملكية، حيث دُفن عددٌ من ملوك آشور في أقبيةٍ حجرية تحت أرض قصورهم. لم يكن الملك الآشوري يغادر مدينته المقدّسة حتى في مماته؛ فمهما بلغت عاصمته السياسية من شأن، ظلّت آشور هي «البيت» الأخير الذي يعود إليه جسده. هذا الارتباط الرمزيّ بين شرعية الحكم وأرض آشور المقدّسة استمرّ حتى أواخر أيام الإمبراطورية، وظلّ يُذكّر الجميع بأنّ الشمال قد يملك القصور، لكنّ آشور تملك الأرواح.

الأسوار والبوابات والمدينة الحيّة

أحاطت بآشور أسوارٌ ضخمة عزّزها الملوك جيلاً بعد جيل، تتخلّلها بواباتٌ رئيسة كانت تُعدّ نقاط عبورٍ ومراكز جبايةٍ ومواضع للطقوس في آن. وخلف الأسوار امتدّت أحياءٌ سكنية وورشٌ ومخازن ومعابد أصغر، تكشف عن مدينةٍ نابضة بالحياة لا مجرّد مركزٍ ملكيّ. وقد عثر المنقّبون على أرشيفاتٍ ووثائق إدارية تصوّر تفاصيل الحياة اليومية: توزيع الحصص، وإدارة المعابد، والقضايا والأحكام. كلّ هذه المعطيات تجعل آشور مختبراً حياً لفهم كيف كانت تُدار مدينةٌ كبرى في العالم القديم.

السقوط والصمت الطويل

في عام 614 قبل الميلاد، وبينما كانت الإمبراطورية الآشورية تترنّح تحت ضربات تحالفٍ من الميديين والبابليين، سقطت آشور المدينة المقدّسة. اقتحمها الميديون ونهبوها وأحرقوها، وكان سقوط المدينة الأمّ إيذاناً بنهاية الإمبراطورية بأكملها، التي انهارت تماماً بعد بضع سنوات مع سقوط نينوى عام 612 قبل الميلاد. المشهد كان مأساوياً إلى درجة أنّ أصداءه بقيت في نصوص الأنبياء العبرانيين الذين تحدّثوا عن نهاية «المدينة الدموية»، وفي ذاكرة شعوبٍ كثيرة عانت من سطوة الجيوش الآشورية.

لكنّ قصة آشور لم تنتهِ عند ذلك الحدّ. فبعد قرونٍ من الصمت، عادت الحياة إليها في العصر الفرثي (البارثي) حين نشأت على أنقاضها مستوطنةٌ جديدة، وشُيّدت معابد بأسلوبٍ يمزج التقاليد المحلية بالفنون الهلنستية والفرثية، في المرحلة نفسها التي كانت فيها مدينة الحضر القريبة تعيش أوجها. وهكذا فإنّ زائر آشور اليوم يقرأ في طبقاتها تاريخاً متّصلاً يمتدّ من الألف الثالث قبل الميلاد حتى العصور المسيحية المبكرة، حين صارت المنطقة موطناً لمجتمعاتٍ مسيحيةٍ عريقة ما زالت تعتزّ بجذورها الآشورية إلى اليوم.

عين الأثريّ: أندريه والتنقيب الألمانيّ

يعود الفضل في الكشف العلميّ المنهجيّ عن آشور إلى بعثة الجمعية الشرقية الألمانية بقيادة عالم الآثار «فالتر أندريه» بين عامي 1903 و1914. لم يكن أندريه مجرّد حفّار، بل معمارياً دقيقاً رسم وسجّل ووثّق المدينة بمنهجيةٍ غيّرت أسلوب التنقيب في الشرق الأدنى بأكمله. فقد اهتمّ بتوثيق كلّ طبقة، وبإعادة تصوّر شكل المباني الأصلية اعتماداً على البقايا، لا بمجرّد انتزاع القطع الثمينة. بفضل عمله نُقلت واجهاتٌ ومعثوراتٌ مهمّة إلى متحف بيرغامون في برلين، بينما بقي الكثير في مكانه شاهداً على المدينة. وحين تقف بين الجدران اليوم، فإنّ ما تراه منظّماً ومفهوماً إنما هو ثمرة عقودٍ من العمل العلميّ الصبور.

آشور في خطر… وآشور الباقية

في مطلع الألفية الثالثة أُدرجت آشور على لائحة التراث العالميّ لليونسكو عام 2003، وأُدرجت في الوقت نفسه على قائمة التراث العالميّ المهدَّد بالخطر، بسبب مشروع سدٍّ كان يُخشى أن تغمر مياهُه الموقع. ثم جاءت سنوات الاحتلال الإرهابيّ للمنطقة لتضيف تهديداً من نوعٍ آخر. ومع ذلك صمدت آشور، كما صمدت من قبل أمام الميديين والبابليين، وأمام النسيان نفسه. واليوم تعود إليها الزيارات تدريجياً، ويعود إليها الباحثون، وتعود إليها الحياة التي حاول التاريخ مراراً أن يطفئها.

حين تقف على حافّة النتوء الصخريّ في آشور وتنظر إلى دجلة يجري تحتك كما جرى منذ خمسة آلاف عام، تدرك لماذا اختار الآشوريون هذا المكان بالذات ليكون بيت إلههم. المكان يتنفّس القدَم، والصمت هنا ليس فراغاً بل امتلاءٌ بالحكايات. ننصح بأخذ الوقت الكافي للتجوّل بين الزقورة والمعابد والأسوار، وبحمل الماء وارتداء حذاءٍ مريح، فالأرض غير ممهّدة والمساحات واسعة. ومن هذه النقطة، نحمل معنا روح المدينة الأمّ، ونتّجه إلى محطتنا التالية: مدينةٌ من طرازٍ مختلفٍ تماماً، مدينةٌ عربيةٌ فرثيةٌ صحراوية تُدعى الحضر.

من رحلاتنا: حجر منقوش ولَبِنة محفورة بالخطّ المسماريّ، ما زالت ملقاة على سطح الأرض.
02

مدينة الحضر

بادية الجزيرة · تراث عالمي لليونسكو
القوس الكبير في الحضر — الإيوان الفرثيّ يتوسّط الواجهة، وحوله التيجان الكورنثية.

بعد آشور، ينحرف الطريق نحو الجنوب الغربيّ من الموصل، إلى قلب بادية الجزيرة، حيث تنتصب فجأةً وسط الفراغ الصحراويّ مدينةٌ كاملةٌ من الحجر الأشقر: الحضر. لا شيء يهيّئك للحظة التي تلوح فيها أعمدتها وأقواسها في الأفق؛ فبعد كيلومتراتٍ من السهل الأجرد المفتوح، تبرز واجهات المعابد الشامخة وكأنها سرابٌ تحوّل إلى حجر. الحضر ليست مجرّد أطلال، بل هي أكثر المدن القديمة اكتمالاً وبقاءً في العراق، وواحدةٌ من أروع ما أنتجه العالم القديم من عمارةٍ هجينة تمزج الشرق بالغرب في نسيجٍ لا يتكرّر.

ازدهرت الحضر في القرنين الأول والثاني الميلاديين، في العصر الفرثي (البارثي)، حين كانت تقع على تخوم إمبراطوريتين متصارعتين: الإمبراطورية الرومانية في الغرب والإمبراطورية الفرثية في الشرق. هذا الموقع الحسّاس، الذي قد يبدو نقمة، كان في الواقع سرّ ثرائها؛ فقد تحكّمت المدينة بطرق القوافل التجارية العابرة للصحراء، وفرضت الأمن على المسافرين مقابل المكوس، وتحوّلت إلى مركزٍ تجاريّ ودينيّ يجذب الحجّاج والتجّار من كلّ حدبٍ وصوب. لقد كانت الحضر «ميناءً برّياً» في محيطٍ من الرمال، تلتقي عنده البضائع والأفكار والآلهة.

مملكة العرب في قلب الصحراء

حكم الحضرَ ملوكٌ عربٌ حملوا في البداية لقب «مريا» (أي السيّد أو الحاكم)، ثم ارتقوا إلى لقب «ملِك العرب» مع اتّساع نفوذهم وتعاظم مكانتهم. من أشهر هؤلاء الملوك «سنطروق الأول» و«سنطروق الثاني» و«عبد سميّا»، وقد خلّدت النقوش أسماءهم على قواعد التماثيل وعتبات المعابد، ونحتت لهم تماثيل بالحجم الطبيعيّ تُظهرهم بلباسٍ فرثيّ فخم مطرّزٍ ومرصّع. وتُعدّ الحضر من أوائل الشواهد الأثرية الكبرى على وجود كياناتٍ عربيةٍ سياسية منظّمة في شمال بلاد الرافدين قبل الإسلام بقرون، وهو ما يمنحها مكانةً خاصةً في تاريخ العرب أنفسهم، لا في تاريخ العمارة فحسب. فهنا نرى العرب لا بدواً رحّلاً فقط، بل بُناة مدنٍ ومؤسّسي ممالك وسكّاكي عملةٍ وكهنة معابد.

دُوّنت الكتابات في الحضر بلهجةٍ من الآرامية تُعرف اليوم بـ«الآرامية الحضرية»، وقد وصلنا منها مئات النقوش على الحجر. هذه النقوش ليست زخرفية فحسب، بل سجلٌّ حيّ: أسماء ملوكٍ وأمراء، وألقاب كهنةٍ ومهندسين، ونذورٌ مقدّسة، ولعناتٌ على من يعبث بالتماثيل أو يسرقها، وتفاصيل إدارية عن أوقاف المعابد وحقوق العاملين فيها. وحين ترى في الموقع لوحةً حجريةً منقوشةً بهذا الخطّ الأنيق — كتلك التي يقف عندها زوّارنا في الصورة — فأنت تنظر إلى صوت أهل المدينة أنفسهم، يخاطبونك مباشرةً عبر نحو ألفي عام، بلغةٍ شقيقةٍ للعربية.

معبد الشمس والثالوث المقدّس

كانت الحضر قبل كلّ شيء مدينةً مقدّسة، عاصمةً دينية تدور حياتها حول عبادة إله الشمس «شمش». في قلب المدينة يقع الحرم المقدّس الكبير (التيمينوس)، وهو مجمّعٌ واسعٌ محاطٌ بسور، يضمّ سلسلةً من المعابد والأواوين (جمع إيوان) الضخمة المصفوفة بعضها إلى جانب بعض. وأبرز ما يميّز عمارة الحضر هو هذا «الإيوان»: القاعة المقبّبة المفتوحة من جهةٍ واحدة، وهو عنصرٌ شرقيٌّ فرثيّ أصيل تراه هنا يتزاوج مع الأعمدة والتيجان الكورنثية ذات الطابع اليونانيّ-الرومانيّ، فتنتج عمارةٌ لا تشبه رومية ولا فارس، بل تشبه الحضر وحدها. القوس المركزيّ الشهير الذي يتوسّط الواجهة، والذي يظهر في معظم صور المدينة، صار أيقونةً بصريةً تختصر عبقرية هذا المزج.

عُبد في المدينة ثالوثٌ مقدّس عُرف بـ«مارَن» (ربّنا، أي إله الشمس) و«مارتَن» (ربّتنا) و«بَرمارَن» (ابن ربّينا)، إضافةً إلى آلهةٍ أخرى محلية وبابلية وعربية وهلنستية اجتمعت كلّها في هذا الحرم، مثل «نرغال» إله العالم السفليّ الذي صُوّر أحياناً على هيئةٍ مخيفة، و«أترعتا» (أتارگاتيس) الربّة السورية، و«اللات» و«الشمس» من الآلهة العربية. أما النسر، رمز الشمس والسماء، فقد انتشرت تماثيله ونقوشه في أرجاء المدينة حتى صار من أبرز علاماتها الفنية. هذا التعدّد الدينيّ يعكس طبيعة الحضر كمدينة مفترق طرق، تقبل الآلهة كما تقبل التجّار، وتنسج من كلّ ما يمرّ بها نسيجها الخاصّ.

فنّ النحت في الحضر

تركت الحضر ثروةً هائلة من التماثيل والمنحوتات التي تُعدّ اليوم من كنوز المتحف العراقيّ. من أشهرها تماثيل الملوك والأميرات والكهنة، ووجوهٌ حجرية بملامح دقيقة تعكس تأثّراً بالفنّ الرومانيّ الواقعيّ مع طابعٍ شرقيّ في الجمود والمواجهة المباشرة. كما نُحتت وجوهٌ ذات ملامح مرعبة تشبه «الميدوسا» فوق الأقواس لتؤدّي وظيفة الحماية ودرء الحسد، إلى جانب تماثيل الجِمال والأفراس والنسور والعُقبان. هذه الأعمال لا تخبرنا فقط عن ذوق أهل الحضر الفنيّ، بل عن أزيائهم وحُليّهم وأسلحتهم وطقوسهم، فهي معرضٌ حجريّ لحياة مدينةٍ بأكملها.

كيف تعيش مدينةٌ في الصحراء؟

من أكثر الأسئلة إلحاحاً حين تقف في الحضر: كيف عاشت مدينةٌ بهذا الحجم وسط بادية قاحلة؟ الجواب في براعة أهلها في إدارة الماء. فقد اعتمدوا على الآبار العميقة وأنظمة تجميع مياه الأمطار والصهاريج، إلى جانب استغلال أوديةٍ موسمية قريبة. هذه القدرة على تأمين الماء لم تكن ترفاً، بل كانت شرط الحياة والدفاع معاً؛ فحين حاصر الأعداء المدينة، كان مخزون الماء هو ما يقرّر مصير الحصار. وهكذا صارت الهندسة المائية في الحضر جزءاً لا يتجزّأ من قصة صمودها.

المدينة التي هزمت روما مرّتين

من أكثر فصول تاريخ الحضر إثارةً للإعجاب صمودها العسكريّ. فقد حاول الرومان، أعظم قوةٍ عسكرية في ذلك العصر، اقتحامها مرّتين وفشلوا في المرّتين. الأولى كانت على يد الإمبراطور «تراجان» عام 116/117 ميلادية خلال حملته الكبرى على الشرق؛ إذ حاصر المدينة لكنّه اضطرّ إلى الانسحاب أمام مناعتها وقسوة الصحراء. والثانية كانت على يد الإمبراطور «سبتيموس سويروس» الذي حاصرها حوالي عام 198/199 ميلادية بجيشٍ ضخمٍ وآلات حصار متطوّرة، ومع ذلك ارتدّ خائباً أمام أسوارها بعد أن أنهكته الخسائر.

سرّ هذا الصمود يكمن في تصميم المدينة العبقريّ: سورٌ دائريّ مزدوج يحيط بالمدينة يمتدّ لأميال، تتخلّله عشرات الأبراج الدفاعية المتقاربة التي تتيح للرماة تغطية كلّ شبرٍ من محيطها، ويسبقه خندقٌ يعوق المهاجمين ويكسر زخم اقتحامهم. أضف إلى ذلك موقعها الصحراويّ الذي كان يرهق أيّ جيشٍ محاصر بنقص الماء والمؤن وحرارة الشمس القاتلة، فضلاً عن سلاح الفرسان الحضريّ الذي كان يباغت المحاصِرين. لقد كانت الحضر بحقٍّ «حصن الصحراء» الذي كسر هيبة الفيالق الرومانية، وترك في الذاكرة صورة مدينةٍ عربيةٍ تتحدّى أعظم إمبراطوريات الأرض.

النهاية على يد الفرس الساسانيين

لكنّ ما عجز عنه الرومان تمكّن منه الساسانيون. فمع صعود الدولة الساسانية الفتيّة في فارس، تعرّضت الحضر لحصارٍ حاسم حوالي عام 240–241 ميلادية على يد «أردشير الأول» ومن بعده ابنه «شابور الأول». وتروي الروايات المتأخرة أسطورةً شهيرة مفادها أنّ ابنة ملك الحضر «النضيرة» خانت مدينتها حبّاً في الأمير الساسانيّ، ففتحت له الأبواب سرّاً، فسقطت المدينة التي عجزت الجيوش عن فتحها بالقوة. سواءٌ صحّت الأسطورة أم كانت من نسج الخيال الشعبيّ، فإنّ النتيجة كانت واحدة: سقطت الحضر، وهُجرت تدريجياً، وابتلعتها الصحراء ببطء، لتنام قروناً طويلة تحت الرمال حتى أعاد علماء الآثار في العصر الحديث اكتشافها ونفض الغبار عن مجدها.

الاكتشاف والتنقيب

لفتت أطلال الحضر أنظار الرحّالة الأوروبيين منذ القرن التاسع عشر، لكنّ التنقيب المنهجيّ الواسع تولّته البعثات العراقية بدءاً من منتصف القرن العشرين، وأسهمت فيه بعثاتٌ أجنبية أيضاً. وقد كُشف عن الحرم المقدّس ومعابده وتماثيله ونقوشه، ونُقل كثيرٌ من روائعها إلى المتحف العراقيّ في بغداد حيث تُعرض اليوم. وأُدرجت المدينة على لائحة التراث العالميّ لليونسكو عام 1985 تقديراً لقيمتها الاستثنائية بوصفها أفضل مثالٍ باقٍ على مدينةٍ فرثية محصّنة.

الحضر على الشاشة… وتحت المعاول

اكتسبت الحضر شهرةً عالمية حين ظهرت في مشهد الافتتاح الشهير لفيلم «طارد الأرواح» (The Exorcist)، حيث استُخدمت واجهاتها الأثرية خلفيةً موحية أضفت على الفيلم طابعاً غامضاً لا يُنسى. لكنّ الحضر دفعت لاحقاً ثمناً باهظاً؛ ففي عام 2015 تعرّضت لأضرارٍ متعمّدة على يد التنظيم الإرهابيّ الذي احتلّ المنطقة، وبُثّت مشاهد مؤلمة لتحطيم بعض تماثيلها ونقوشها بالمعاول والأسلحة. ورغم فداحة الخسارة، فإنّ الجزء الأكبر من المدينة صمد بفضل ضخامة بنائها الحجريّ، وعادت اليوم أبوابها تُفتح أمام الزوّار من جديد، وتُبذل جهودٌ لتوثيق ما بقي وترميم ما تضرّر.

تجربة الوقوف في الحضر

لا يمكن لأيّ وصفٍ أن ينقل شعور الوقوف تحت أقواس الحضر. حين تصعد الدرجات نحو الإيوان الكبير، وترفع رأسك لترى التيجان المنحوتة بدقّةٍ مذهلة والوجوه الحجرية التي تطلّ عليك من العلوّ، تشعر أنّ المدينة ما زالت تحرس نفسها. الضوء هنا خاصّ: في الصباح يصبغ الحجر بلونٍ ذهبيّ دافئ، وعند الغروب يشتعل باللون البرتقاليّ حتى تبدو الجدران وكأنها تتوهّج من الداخل. والسكون الصحراويّ من حولك يجعل كلّ صوتٍ — خطوة، أو ريح، أو طائر — يتردّد بين الجدران كأنّه صدى الماضي القادم من ألفَي عام.

يرافق زيارتنا للحضر عادةً حرّاسٌ من قوات الأمن، وهو أمرٌ اعتياديّ في المواقع الحدودية النائية، ويضيف إلى التجربة إحساساً بأنّك تزور مكاناً استثنائياً يستحقّ الحماية. ننصح دائماً بارتداء حذاءٍ مريح، وحمل كمّيةٍ كافية من الماء، ووضع قبّعةٍ ونظّارةٍ شمسية في الأيام المشمسة، فالظلّ نادرٌ والمساحات مفتوحة. ومن هنا، بعد أن نكون قد أمضينا وقتاً كافياً بين أروقة هذه المدينة الفريدة، نعود أدراجنا شمالاً باتجاه الموصل، حيث سنقضي ليلتنا في فندقٍ مريح استعداداً ليومٍ ثانٍ حافلٍ بمعالم الموصل والنمرود.

واجهة أحد معابد الحضر، ومدخلٌ مقوّس يفتح على أقواسٍ متتالية خلفه.
الوصول إلى الموقع بمرافقة الحماية، وامتداد الحجارة الساقطة داخل أسوار المدينة.

المبيت في الموصل

مع اقتراب المساء نصل إلى الموصل، حاضرة الشمال العراقيّ وعروس دجلة، لنبيت فيها ليلتنا الأولى في فندقٍ من فئة ثلاث نجومٍ يشمل وجبة الإفطار. الموصل مدينةٌ تنبض بتاريخٍ يمتدّ آلاف السنين، وتقابلها على الضفّة الأخرى من دجلة أطلال نينوى، عاصمة الآشوريين الكبرى. نستريح الليلة ونستعيد طاقتنا، فالغد يحمل لنا جولةً في المدينة القديمة ثم رحلةً إلى النمرود.

اليوم الثاني

الموصل القديمة ← النمرود ← بغداد

صباحٌ بين أزقّة المدينة القديمة، ثم عاصمة آشور-ناصر-بال الثاني، وعودة إلى بغداد مساءً.

03

مدينة الموصل القديمة

الساحل الأيمن · المرمر الموصليّ

نبدأ يومنا الثاني بجولةٍ سيراً على الأقدام في مدينة الموصل القديمة، القلب التاريخيّ للمدينة على الضفّة الغربية لنهر دجلة. هنا تتشابك الأزقّة الضيّقة والبيوت التراثية المبنية من «المرمر الموصليّ» الأزرق الرماديّ، ذلك الحجر المحليّ الذي يميّز عمارة الموصل عن سائر مدن العراق. تتزيّن الواجهات بالأقواس والزخارف المنحوتة والمشربيّات الخشبية، وتنفتح البيوت على أفنيةٍ داخلية («أحواش») تحفظ الخصوصية وتلطّف حرارة الصيف.

كانت الموصل القديمة نسيجاً إنسانياً نادراً، تتجاور فيه المساجد والجوامع والكنائس والأديرة، وتختلط في أسواقها العتيقة روائح التوابل والنحاس المطروق والأقمشة. ومن أبرز معالمها التاريخية «قره سراي» (القصر الأتابكيّ)، وكنيسة الساعة، وكنيسة الطاهرة، وجوامعها الأثرية العريقة، إضافةً إلى مرقد النبي يونس على الضفّة المقابلة. غير أنّ معركة تحرير المدينة عام 2017 خلّفت دماراً هائلاً في هذا القلب التاريخيّ، وسوّت أحياءً بأكملها بالأرض.

واليوم تشهد المدينة القديمة ورشةً واسعة لإعادة الإعمار ضمن مبادراتٍ محلية ودولية، أبرزها مبادرة اليونسكو «إحياء روح الموصل»، حيث تُعاد الحياة إلى البيوت والأسواق والمعالم الدينية حجراً حجراً، ويعود الأهالي تدريجياً إلى أحيائهم. المشي في هذه الأزقّة اليوم تجربةٌ مؤثّرة تجمع بين الحزن على ما فُقد والأمل بما يُبعث من جديد، وتذكّرنا بأنّ المدن، مثل الحضارات، قادرةٌ على النهوض من تحت الركام.

من داخل بيتٍ تراثيّ في الموصل.
04

جامع النوري والحدباء

القرن الثاني عشر الميلاديّ

في قلب المدينة القديمة يقف جامع النوري الشهير، الذي بناه القائد «نور الدين زنكي» في القرن الثاني عشر الميلاديّ. اشتهر الجامع بمئذنته المائلة المعروفة بـ«الحدباء»، التي صارت رمز الموصل وشعارها حتى لُقّبت المدينة كلّها بـ«الحدباء» نسبةً إليها. تعرّض الجامع ومئذنته للتفجير والتدمير عام 2017، وتجري اليوم أعمال إعادة إعماره بإشرافٍ ودعمٍ دوليّ ليعود منارةً للمدينة كما كان طوال ثمانية قرون.

جامع النوري ومئذنته الحدباء بعد أعمال إعادة الإعمار.
05

مدينة النمرود الأثرية

كالخو · عاصمة الإمبراطورية

من الموصل نتّجه جنوباً مسافةً قصيرة إلى واحدةٍ من أعظم عواصم الآشوريين: النمرود، التي عرفها القدماء باسم «كالخو» ووردت في التوراة باسم «كالح». تقع النمرود على مقربةٍ من الضفّة الشرقية لدجلة، وتبعد نحو ثلاثين كيلومتراً جنوب شرق الموصل، وكانت لقرنٍ كاملٍ مركز العالم الآشوريّ ومقرّ ملوكه العظام ومستودع ثرواتهم.

عاصمة آشور-ناصر-بال الثاني

بلغت النمرود أوج مجدها في القرن التاسع قبل الميلاد على يد الملك آشور-ناصر-بال الثاني (نحو 883–859 ق.م)، الذي اختارها عاصمةً جديدة لإمبراطوريته ونقل إليها البلاط من مدينة آشور القديمة. شيّد الملك قصره الشهير المعروف بـ«القصر الشمالي الغربي»، وهو تحفةٌ معمارية زُيّنت جدرانها بألواح المرمر (الجصّ) المنحوتة التي تصوّر الملك في مشاهد الصيد والحرب والطقوس الدينية، إلى جانب كائناتٍ مجنّحة وأرواحٍ حامية تُبارك الملك وتحرسه. وقد افتُتح القصر باحتفالٍ أسطوريّ سجّلته «مسلّة الوليمة» الشهيرة، التي تذكر أنّ الملك أقام مأدبةً لعشراتٍ من الآلاف من المدعوّين على مدى أيام، فقدّم لهم آلاف الرؤوس من الماشية والطيور وكمّياتٍ هائلة من الخمر والخبز، في واحدةٍ من أقدم الوثائق المكتوبة عن وليمةٍ ملكية في التاريخ البشريّ.

الثيران المجنّحة وحرّاس البوابات

أشهر ما يرتبط بالنمرود في المخيّلة العالمية تماثيل اللاماسو: الثيران والأسود المجنّحة برؤوسٍ بشرية، التي كانت تحرس مداخل القصور والمعابد والبوابات. هذه الكائنات الهجينة لم تكن مجرّد زينة، بل حرّاساً روحيين يجمعون قوّة الثور وشجاعة الأسد وحكمة الإنسان وحرية الطير في جسدٍ واحد. وقد نُحتت بخمس أرجل بحيلةٍ فنية بارعة، بحيث يبدو التمثال ثابتاً مكتملاً حين تنظر إليه من الأمام، وماشياً متحرّكاً حين تراه من الجانب. لقد أصبحت اللاماسو أيقونة الحضارة الآشورية بأكملها، وتنتشر نماذجها الأصلية اليوم في كبريات متاحف العالم من لندن إلى نيويورك، شاهدةً على عبقرية النحّاتين الآشوريين.

معابد النمرود وزقورتها

لم تكن النمرود قصوراً فحسب، بل مدينةً مقدّسة أيضاً. فقد ضمّت زقورةً ضخمة كانت ترتفع فوق المدينة، ومعبداً للإله المحارب «نينورتا» راعي المدينة وابن الإله إنليل، ومعبداً للإله «نابو» إله الكتابة والحكمة عُرف باسم «إزيدا». وقد ضمّ معبد نابو مدرسةً للكتبة وأرشيفاً للألواح، إذ كان هذا الإله راعي الكتّاب والعلماء، وكانت الكلمة المكتوبة في نظر الآشوريين مصدر سلطةٍ ومعرفة. وفي هذه المعابد مُورست الطقوس التي تربط الملك بالآلهة، وحُفظت النصوص والمعاهدات، وتُلي بعضها في المناسبات الرسمية. وتكشف بقايا هذه المباني عن مدى التطوّر الذي بلغته الهندسة والفنون الآشورية في عصر الإمبراطورية.

المسلّات والقلعة العسكرية

من النمرود خرجت بعضٌ من أشهر المسلّات الآشورية، ومنها «المسلّة السوداء» للملك «شلمنصر الثالث»، التي تصوّر ملوكاً وأمراءً أجانب وهم يقدّمون الجزية والهدايا للملك الآشوريّ، وتُعدّ وثيقةً تاريخيةً وفنية بالغة الأهمية. كما ضمّت المدينة «قلعة شلمنصر» في طرفها الجنوبيّ الشرقيّ، وهي ترسانةٌ عسكرية ضخمة (قصر التجهيز) كانت تُخزّن فيها الأسلحة والغنائم وتُجهّز منها الحملات، ما يعكس الطابع العسكريّ للدولة الآشورية في أوجها.

كنوز النمرود: من لايارد إلى الذهب

ارتبط اسم النمرود في تاريخ علم الآثار بالرحّالة البريطانيّ «أوستن هنري لايارد» الذي نقّب فيها في أربعينيّات القرن التاسع عشر، وأرسل كثيراً من روائعها إلى المتحف البريطانيّ، فأبهر بها أوروبا وأشعل شغفها بالحضارة الآشورية الوليدة الاكتشاف. ولاحقاً واصل التنقيب عالم الآثار البريطانيّ «ماكس مالوان»، زوج الروائية الشهيرة «أغاثا كريستي» التي رافقته في مواسم الحفر وساعدت في ترميم القطع وتوثيقها، بل استوحت من أجواء الشرق بعض رواياتها. ثم جاء الكشف الأعظم عام 1988–1989 حين عثرت بعثةٌ عراقية على «مقابر الملكات» المذهلة تحت أرض القصر الشمالي الغربي، وقد حوت مئات القطع الذهبية من تيجانٍ وأساور وأقراطٍ وقلائد وأوانٍ بديعة الصنع، فيما عُرف بـ«ذهب النمرود»، وهو من أثمن الكنوز الأثرية التي خرجت من أرض العراق في القرن العشرين، ونجا بأعجوبةٍ من النهب والحروب ليبقى شاهداً على عبقرية الصاغة الآشوريين.

الجرح والصمود

في عام 2015 تعرّضت النمرود لهجمةٍ همجية على يد التنظيم الإرهابيّ الذي احتلّ المنطقة، فجرف أجزاءً واسعة من الموقع بالجرّافات وفجّر بعض معالمه وحطّم تماثيله في مشاهد صدمت العالم بأسره وأثارت غضباً دولياً. كانت الخسارة فادحة، لكنّها لم تمحُ النمرود من الوجود؛ فما زالت الأرض تحتضن ما لم تصل إليه المعاول، وما زال الباحثون يعملون على توثيق ما تبقّى، وجمع الشظايا المبعثرة، وترميم ما يمكن ترميمه، في سباقٍ مع الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ذاكرة الإنسانية.

حين تمشي فوق تلال النمرود وتلمس شظايا الألواح المنحوتة المبعثرة على الأرض، وربما تعثر على لَبِنةٍ مطبوعٍ عليها اسم الملك بالخطّ المسماريّ كما في صور رحلتنا، تشعر أنّك تلمس التاريخ بيديك مباشرةً، دون زجاجٍ يفصلك عنه ولا حبلٍ يمنعك. هذا هو سحر المواقع العراقية: أنّها ما زالت حيّة، مفتوحة، صادقة، تروي حكايتها بلا وسيط. زيارة النمرود اليوم ليست مجرّد سياحة، بل وقوفٌ تضامنيّ مع ذاكرةٍ حضارية رفضت أن تُمحى. ومن النمرود، بعد يومين حافلين بأعظم ما أنتجته حضارات بلاد الرافدين، نبدأ رحلة العودة جنوباً إلى بغداد، محمّلين بصورٍ وذكرياتٍ وحكاياتٍ لا تُنسى عن أرضٍ كانت، وما زالت، مهد الحضارة.

حجرٌ منقوش بالكتابة القديمة في أحد المواقع الأثرية — يُقرأ في مكانه دون زجاجٍ يفصلك عنه.
ملاحظة عملية

جميع المواقع في هذه الرحلة مفتوحة وغير مسقوفة. ننصح بحذاء مريح، وماء، وقبّعة في الأيام المشمسة. رسوم الدخول تُدفع في الموقع وتختلف قيمتها بين الزائر العراقيّ والأجنبيّ، لذلك هي غير مشمولة بالسعر.

المبيت

اختر باقة الفندق

ليلة المبيت في الموصل متاحة بخيارين — اختر ما يناسبك عند الحجز.

فندق مودرن بلازا — الموصل

خيار عمليّ ومريح: غرف نظيفة وهادئة بمستوى ثلاث نجوم، بموقع قريب من محاور الحركة في الموصل، ومناسب لمن يريد استغلال الميزانية في المواقع الأثرية.

  • ليلة واحدة لثلاثة أشخاص
  • وجبة إفطار مشمولة
  • موقع مريح للانطلاق صباحاً

فندق رامادا العالمي — الموصل

خيار الفئة الأولى: غرف وأجنحة واسعة، حمّامات حديثة، وخدمة فندقية عالمية المستوى — لمن يريد راحة إضافية بعد يوم طويل بين الآثار.

  • ليلة واحدة لثلاثة أشخاص
  • وجبة إفطار مشمولة
  • غرف وأجنحة واسعة مع صالة جلوس
  • حمّامات حديثة ومرافق كاملة

من أجواء الرحلة

مقطع مصوّر من إحدى رحلاتنا إلى المنطقة.

احجز رحلتك

املأ النموذج وسنعاود التواصل معك عبر واتساب أو البريد لتثبيت الموعد وترتيب التفاصيل.

مودرن بلازا · ٣ نجوم٤٥٠٬٠٠٠ د.ع
رامادا العالمي٦٥٠٬٠٠٠ د.ع
للمجموعة كاملة حتى ٣ أشخاص · حسب الباقة المختارة

السعر يشمل

  • النقل الكامل من بغداد وإليها بسيارة خاصة
  • خدمة الإرشاد السياحيّ طوال اليومين
  • مبيت ليلة واحدة في الفندق المختار (مودرن بلازا أو رامادا العالمي) — الموصل
  • وجبة الإفطار في الفندق

السعر لا يشمل

  • رسوم الدخول إلى المواقع الأثرية (تختلف بين العراقيين والأجانب وتُدفع في الموقع)
أو تواصل معنا مباشرة:
تحتاج مساعدة؟ راسلنا على واتساب