قلعة آشور
تبدأ رحلتنا من قلب بغداد عند الفجر، حين يكون الطريق الشماليّ ما يزال هادئاً، فنتّجه صعوداً بمحاذاة نهر دجلة نحو محافظة نينوى. المحطة الأولى في هذا المسار ليست مجرّد أطلالٍ متناثرة، بل هي المدينة التي وُلدت منها الإمبراطورية الآشورية بأكملها: آشور، أو كما تُعرف اليوم باسم قلعة الشرقاط، الجاثمة على نتوءٍ صخريّ يطلّ على الضفّة الغربية من دجلة. من هذه البقعة تحديداً انطلقت واحدة من أعظم قوى العالم القديم، وإليها ظلّ الآشوريون ينسبون هويتهم الروحية حتى بعد أن نقلوا عواصمهم السياسية شمالاً. الطريق من بغداد إلى الموقع يستغرق ساعاتٍ نعبر خلالها سهول العراق الوسطى المفتوحة، ونشاهد كيف يتبدّل المشهد تدريجياً من خضرة الزراعة النهرية إلى صرامة الأرض الجافّة التي احتضنت أقدم الحضارات.
الاسم نفسه يحمل مفتاح المدينة: فآشور ليست اسم مكانٍ فحسب، بل اسم الإله الأعظم في البانثيون الآشوري، والإله الذي حمل شعبه اسمه، وحمل هو اسم مدينته. هذا التماهي الثلاثيّ بين الإله والمدينة والأمة هو ما يجعل آشور فريدةً بين مدن بلاد الرافدين؛ فبينما كانت بابل مدينة مردوخ وأور مدينة إله القمر «نانّا»، كانت آشور المكان الذي يسكنه الإله القوميّ ذاته، وكان معبده الكبير هو المركز الذي تدور حوله شرعية كلّ ملكٍ آشوريّ. لم يكن الملك في نظر الآشوريين سوى «نائبٍ» للإله آشور على الأرض، يحكم باسمه ويقود جيوشه ويبني معابده.
لماذا هنا؟ الموقع والجغرافيا
حين تقف على حافّة النتوء الصخريّ وتنظر إلى دجلة يلتفّ تحتك، تدرك سرّ اختيار المكان. فالمدينة محميّةٌ من ثلاث جهاتٍ بالنهر والمنحدرات، ما جعلها حصناً طبيعياً يصعب اقتحامه. كما أنّها تقع عند نقطةٍ استراتيجية على طريق التجارة الذي يربط جنوب الرافدين بالأناضول وبلاد الشام. هذا المزيج بين الحماية الطبيعية والموقع التجاريّ منح آشور مقوّمات النشوء والبقاء آلاف السنين، فظلّت مأهولةً على نحوٍ متّصلٍ تقريباً من الألف الثالث قبل الميلاد حتى العصور الإسلامية المبكرة.
من محطّة تجارية إلى عاصمة إمبراطورية
يعود استيطان آشور إلى الألف الثالث قبل الميلاد على أقلّ تقدير، وربما أبعد. في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، فيما يسمّيه المؤرخون «العصر الآشوري القديم»، لم تكن آشور مملكةً محاربة بعد، بل مدينة-دولةٍ تجارية بارعة. كان تجّارها يقودون قوافل الحمير المحمّلة بالقصدير والأقمشة عبر مئات الكيلومترات إلى هضبة الأناضول، حيث أسّسوا مستعمراتٍ تجارية أشهرها «كارُم كانيش» قرب كولتبه في تركيا الحالية. ومن هذه المستعمرة تحديداً وصلنا آلاف الألواح الطينية المكتوبة بالخطّ المسماريّ، وهي تكشف بتفصيلٍ مذهل حياة عائلاتٍ تجارية بأكملها: عقود شراكة، ورسائل زوجاتٍ إلى أزواجهنّ الغائبين، ونزاعات على الديون، وحسابات أرباح وخسائر. بفضل هذه الألواح، تُعدّ آشور من أفضل مدن العالم القديم توثيقاً لحياتها الاقتصادية اليومية، بل إنّ بعض الباحثين يعتبرها نموذجاً مبكراً على «رأسمالية القوافل» المنظّمة.
مع تعاقب القرون، تحوّلت المدينة التجارية إلى نواةٍ عسكرية. برز ملوكٌ عظام مثل «شمشي-أدد الأول» الذي وحّد شمال بلاد الرافدين تحت رايته، ثم جاء عصر الاضطراب حين خضعت آشور لفتراتٍ لنفوذ مملكة ميتاني والحيثيين. لكنّ نقطة التحوّل الكبرى كانت مع «آشور-أوباليط الأول» في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، الذي أعلن آشور مملكةً مستقلّةً ذات وزنٍ دوليّ، وراسل فراعنة مصر في «رسائل تل العمارنة» ندّاً لندّ، مطالباً بالذهب والاعتراف بمكانته. من تلك اللحظة بدأت آشور رحلتها الطويلة لتصبح الإمبراطورية التي ستحكم لاحقاً مساحاتٍ تمتدّ من ضفاف النيل إلى جبال إيران.
ثيولوجيا الإله آشور وعيد رأس السنة
كان الدين في آشور شأناً سياسياً بامتياز. فالإله آشور لم يكن مجرّد ربٍّ للمدينة، بل تجسيداً للدولة نفسها ولمصيرها. ومن أهمّ الطقوس التي مارسها الآشوريون «عيد الأكيتو» أو عيد رأس السنة، حين كان تمثال الإله يخرج في موكبٍ مهيب من معبده إلى «بيت الأكيتو» خارج المدينة، في احتفالٍ يجدّد شرعية الملك وينعش رباط الأمة بإلهها. في هذه المناسبات كانت المدينة تكتظّ بالوفود والقرابين، وتُتلى الأناشيد والأساطير التي تروي انتصار النظام الكونيّ على الفوضى. هذا البُعد الطقسيّ يفسّر لماذا ظلّت آشور «المدينة المقدّسة» حتى بعد أن غادرها الملوك، ولماذا حرصوا على العودة إليها في المناسبات الكبرى وعند الدفن.
ملوكٌ بنّاؤون وآلهةٌ من حجر
لم يكن الملوك الآشوريون محاربين فقط، بل بنّائين مهووسين بتخليد أسمائهم في الحجر واللبِن. فالملك «توكولتي-نينورتا الأول» في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، بعد أن سحق بابل وحمل تمثال مردوخ إلى الشمال، شيّد مدينةً جديدة قبالة آشور. أما «تغلث-فلاسر الأول» فوسّع حدود الدولة شمالاً وغرباً، وأعاد بناء المعابد، وسجّل حولياته بلغةٍ فخمة تصف حملاته وصيده للأسود والفيلة. وحين تصل إلى موقع آشور اليوم، فإنّك تمشي فوق طبقاتٍ متراكمة من هذه المشاريع، كلّ طبقةٍ تمثّل ملكاً حاول أن يترك أثره فوق أثر سابقيه، حتى صارت المدينة أشبه بكتابٍ حجريّ تُقرأ صفحاته من الأعمق إلى الأحدث.
من أبرز ما تبقّى في الموقع الزقورة الضخمة المخصّصة للإله آشور، وهي البرج المدرّج الذي كان يرتفع كجبلٍ صناعيّ ليصل الأرض بالسماء. وإلى جوارها بقايا معبد آنو-أدد بزقورتيه المزدوجتين المكرّستين لإله السماء «آنو» وإله العاصفة «أدد». وهناك أيضاً معبد عشتار، ربّة الحبّ والحرب، وهو من أقدم معابد المدينة، أعاد الملوك بناءه مراراً على مدى قرون، حتى إنّ التنقيب فيه كشف طبقات معابد متتالية بعضها فوق بعض، تقدّم للباحثين تسلسلاً نادراً لتطوّر العمارة الدينية عبر أكثر من ألف عام.
وفي أرض المدينة أيضاً تقع المقابر الملكية، حيث دُفن عددٌ من ملوك آشور في أقبيةٍ حجرية تحت أرض قصورهم. لم يكن الملك الآشوري يغادر مدينته المقدّسة حتى في مماته؛ فمهما بلغت عاصمته السياسية من شأن، ظلّت آشور هي «البيت» الأخير الذي يعود إليه جسده. هذا الارتباط الرمزيّ بين شرعية الحكم وأرض آشور المقدّسة استمرّ حتى أواخر أيام الإمبراطورية، وظلّ يُذكّر الجميع بأنّ الشمال قد يملك القصور، لكنّ آشور تملك الأرواح.
الأسوار والبوابات والمدينة الحيّة
أحاطت بآشور أسوارٌ ضخمة عزّزها الملوك جيلاً بعد جيل، تتخلّلها بواباتٌ رئيسة كانت تُعدّ نقاط عبورٍ ومراكز جبايةٍ ومواضع للطقوس في آن. وخلف الأسوار امتدّت أحياءٌ سكنية وورشٌ ومخازن ومعابد أصغر، تكشف عن مدينةٍ نابضة بالحياة لا مجرّد مركزٍ ملكيّ. وقد عثر المنقّبون على أرشيفاتٍ ووثائق إدارية تصوّر تفاصيل الحياة اليومية: توزيع الحصص، وإدارة المعابد، والقضايا والأحكام. كلّ هذه المعطيات تجعل آشور مختبراً حياً لفهم كيف كانت تُدار مدينةٌ كبرى في العالم القديم.
السقوط والصمت الطويل
في عام 614 قبل الميلاد، وبينما كانت الإمبراطورية الآشورية تترنّح تحت ضربات تحالفٍ من الميديين والبابليين، سقطت آشور المدينة المقدّسة. اقتحمها الميديون ونهبوها وأحرقوها، وكان سقوط المدينة الأمّ إيذاناً بنهاية الإمبراطورية بأكملها، التي انهارت تماماً بعد بضع سنوات مع سقوط نينوى عام 612 قبل الميلاد. المشهد كان مأساوياً إلى درجة أنّ أصداءه بقيت في نصوص الأنبياء العبرانيين الذين تحدّثوا عن نهاية «المدينة الدموية»، وفي ذاكرة شعوبٍ كثيرة عانت من سطوة الجيوش الآشورية.
لكنّ قصة آشور لم تنتهِ عند ذلك الحدّ. فبعد قرونٍ من الصمت، عادت الحياة إليها في العصر الفرثي (البارثي) حين نشأت على أنقاضها مستوطنةٌ جديدة، وشُيّدت معابد بأسلوبٍ يمزج التقاليد المحلية بالفنون الهلنستية والفرثية، في المرحلة نفسها التي كانت فيها مدينة الحضر القريبة تعيش أوجها. وهكذا فإنّ زائر آشور اليوم يقرأ في طبقاتها تاريخاً متّصلاً يمتدّ من الألف الثالث قبل الميلاد حتى العصور المسيحية المبكرة، حين صارت المنطقة موطناً لمجتمعاتٍ مسيحيةٍ عريقة ما زالت تعتزّ بجذورها الآشورية إلى اليوم.
عين الأثريّ: أندريه والتنقيب الألمانيّ
يعود الفضل في الكشف العلميّ المنهجيّ عن آشور إلى بعثة الجمعية الشرقية الألمانية بقيادة عالم الآثار «فالتر أندريه» بين عامي 1903 و1914. لم يكن أندريه مجرّد حفّار، بل معمارياً دقيقاً رسم وسجّل ووثّق المدينة بمنهجيةٍ غيّرت أسلوب التنقيب في الشرق الأدنى بأكمله. فقد اهتمّ بتوثيق كلّ طبقة، وبإعادة تصوّر شكل المباني الأصلية اعتماداً على البقايا، لا بمجرّد انتزاع القطع الثمينة. بفضل عمله نُقلت واجهاتٌ ومعثوراتٌ مهمّة إلى متحف بيرغامون في برلين، بينما بقي الكثير في مكانه شاهداً على المدينة. وحين تقف بين الجدران اليوم، فإنّ ما تراه منظّماً ومفهوماً إنما هو ثمرة عقودٍ من العمل العلميّ الصبور.
آشور في خطر… وآشور الباقية
في مطلع الألفية الثالثة أُدرجت آشور على لائحة التراث العالميّ لليونسكو عام 2003، وأُدرجت في الوقت نفسه على قائمة التراث العالميّ المهدَّد بالخطر، بسبب مشروع سدٍّ كان يُخشى أن تغمر مياهُه الموقع. ثم جاءت سنوات الاحتلال الإرهابيّ للمنطقة لتضيف تهديداً من نوعٍ آخر. ومع ذلك صمدت آشور، كما صمدت من قبل أمام الميديين والبابليين، وأمام النسيان نفسه. واليوم تعود إليها الزيارات تدريجياً، ويعود إليها الباحثون، وتعود إليها الحياة التي حاول التاريخ مراراً أن يطفئها.
حين تقف على حافّة النتوء الصخريّ في آشور وتنظر إلى دجلة يجري تحتك كما جرى منذ خمسة آلاف عام، تدرك لماذا اختار الآشوريون هذا المكان بالذات ليكون بيت إلههم. المكان يتنفّس القدَم، والصمت هنا ليس فراغاً بل امتلاءٌ بالحكايات. ننصح بأخذ الوقت الكافي للتجوّل بين الزقورة والمعابد والأسوار، وبحمل الماء وارتداء حذاءٍ مريح، فالأرض غير ممهّدة والمساحات واسعة. ومن هذه النقطة، نحمل معنا روح المدينة الأمّ، ونتّجه إلى محطتنا التالية: مدينةٌ من طرازٍ مختلفٍ تماماً، مدينةٌ عربيةٌ فرثيةٌ صحراوية تُدعى الحضر.